خديجة أروهال.. صوت من أصوات الأمازيغية في الشعر والإعلام والسياسة

يونس أقجوج-ومع

إسم ذائع الصيت وصوت إعلامي بارز في أوساط مستمعي الإذاعة الأمازيغية، لاسيما في منطقة سوس، وهي قبل ذلك شاعرة وجدت في القصيدة الأمازيغية ملاذا للتعبير عن خوالج النفس وعن قضايا وتطلعات أبناء جيلها ومنطقتها، تلك هي النائبة البرلمانية عن دائرة سوس-ماسة، خديجة أروهال، ذات المسار متنوع المحطات والتجارب.

اشتهر اسم وصوت خديجة أروهال محليا بمنطقة سوس ودواويرها وقراها النائية، وخاصة لدى مستمعي أثير الإذاعة الأمازيغية ممن لا يعرفون سوى هذه اللغة وسيلة للتواصل، فكانت صوت المغرب إليهم وصوت المنطقة إلى السياسيين وصناع القرار من خلال برنامجين إذاعيين، أحدهما ثقافي اسمه “أجندة ثقافية” والآخر سياسي بعنوان “صدى الجنوب”.

لكن البداية كانت بإحدى قرى آيت باعمران حيث نشأت خديجة في كنف أسرة متواضعة لأب مهاجر بالديار الفرنسية وأم قروية لا تتكلم العربية، وفي مدارس هذه القرية تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي إلى أن انقطعت عن الدراسة في المرحلة الثانوية لأسباب تخصها.

“رغم أنني ابنة القرية، فقد كنت شغوفة بالكتابة والمطالعة، لاسيما لملء أوقات الفراغ الطويلة بعد انقطاعي عن الدراسة. كانت الكتابة الملاذ الوحيد الذي ألجأ إليه ووسيلتي للتواصل مع الذات والتعبير عن كيان الفتاة الأمازيغية إبنة الهامش المنتمية لأسرة تقليدية محافظة”، تقول خديجة في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء.

كانت كتابات خديجة أروهال بالعربية وشيء من الفرنسية متواضعة كما هو حال البدايات، ولا تعدو أن تكون “خربشات” طفلة في سن المراهقة، لكن تشجيع ودعم أساتذتها لها، ثم اكتشافها كتابة “تيفيناغ” عن طريق شقيقها الأكبر، دفعها للمضي في درب الكتابة باللغة الأمازيغية التي تعلمتها بعصامية.

تقول الشاعرة والقاصة الأمازيغية “تعرفت على جمالية الحرف الأمازيغي، في وقت لم تكن ثمة الكثير من الأعمال والإصدارات الأدبية أو العلمية بهذه اللغة، فوجدتها فرصة سانحة لتسخير عشقي للكتابة في إثراء المحتوى الأدبي الأمازيغي، خاصة وأن قلة كانوا آنذاك يتقنون الكتابة بحروف تيفيناغ”.

لكن المحطة الفارقة في حياة خديجة الشابة كانت في سنة 2008 حين شاركت في مسابقة الإبداع الأدبي على القناة الثانية وحصلت على الجائزة الأولى للقصة القصيرة بالأمازيغية عن عمل بعنوان “أكو نتواركيت” (دخان الحلم)، “هذه الجائزة أعطت معنى لكتاباتي ومجهوداتي ومنحتني الثقة والدافع لمواصلة مسار الكتابة والشعر”، تقول الكاتبة صاحبة العديد من الأعمال الأدبية الأمازيغية.

وأضافت “كان العمل عبارة عن قصة واقعية من خمسين صفحة استوحيت أحداثها من ظاهرة الهجرة السرية التي استفحلت في إقليم سيدي إفني، والتي خلفت وما تزال مآسي وجراح عميقة لدى سكان المنطقة، وخاصة لدى أهالي الضحايا من الشباب الذين ركبوا قوارب الموت أملا في مستقبل أفضل”.

واصلت خديجة أروهال مسار الكتابة والشعر حيث أصدرت بعد سنة عملها الأدبي الثاني بعنوان “أزوان نرماد” (موسيقى المخاض)، وهو عبارة عن ديوان شعري فازت من خلاله بالجائزة الأولى للإبداع الأدبي للشباب في جهة سوس ماسة. ثم توالت النجاحات والتتويجات، حيث حصلت على الجائزة الأولى للثقافة بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم على جوائز أخرى على المستويين الوطني والإفريقي، ومنها جائزة دولية بتيزي وزو في الجزائر.

أما بخصوص اشتغالها كمقدمة برامج إذاعية، تؤكد خديجة أروهال أن نشاطها الأدبي والشعري هو الذي فتح أمامها باب الإعلام، إذ شاركت في كاستينغ يخص برنامجا لتعليم اللغة والثقافة الأمازيغيتين، مشيرة في هذا الصدد إلى أنها كانت الوحيدة من بين المشاركين التي تتقن قواعد الكتابة بالحروف الأمازيغية، فكان ذلك سببا لولوجها استوديوهات الإذاعة الوطنية التي عملت بها معدة ومنتجة ومقدمة لبرنامجين إذاعيين بالأمازيغية”.

ذاع صيت الإعلامية خديجة أروهال في قرى آيت باعمران ومنطقة سوس عموما، فبالنسبة للكثير من سكان تلك المناطق، ولاسيما لدى الجيل السابق من الأمازيغ الذين لا يفهمون العربية، إذ كانت برامجها الإذاعية وسيلتهم الوحيدة لمعرفة بعض ما يجري في الوطن والعالم من أحداث.

إسم خديجة أروهال الذي راج في الساحتين الأدبية والإعلامية الأمازيغية، ومزاولتها للنشاط الجمعوي ونضالها في صفوف الحركة الأمازيغية دفعها إلى خوض غمار السياسة من خلال الترشح ضمن اللائحة الجهوية لحزب التقدم والاشتراكية في انتخابات 2015، حيث ظفرت بهذه الانتخابات وأصبحت نائبة لرئيس الجهة مكلفة بالشأن الثقافي، لتنال بعد ذلك ثقة الحزب الذي قرر تزكيتها وكيلة للائحة البرلمانية الجهوية بجهة سوس ماسة في انتخابات 2021.

تصف السيدة أروهال ولوجها قبة البرلمان بكونها “تجربة غنية أخرى تستحق الوقوف عندها، لاسيما في مجال التشريع، فورش الأمازيغية يحتاج إلى ترافع كبير، ومسؤوليتي الجديدة كنائبة برلمانية تساهم في التشريع ووضع القوانين تحتم علي بذل كل ما وسعي خدمة للقضايا التي أؤمن بها، وعلى رأسها تفعيل ورش ترسيم الأمازيغية وتحقيق العدالة المجالية، والدفاع عن القضايا الوطنية في المحافل الدولية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية”.

في هذا الصدد، تؤكد النائبة البرلمانية والعضو في البرلمان الإفريقي أنها وجدت في الدبلوماسية البرلمانية مدرسة في البذل والعطاء من أجل الوطن. وتضيف قائلة “بالإضافة إلى التشريع ومراقبة العمل الحكومي والعمل من أجل دوائرنا المحلية وساكنتها، عندما نكون في الخارج نستحضر الوطن وقيمه وثقافته ومصالحه ووحدته الترابية، وهو ما يدفعنا إلى العمل من أجل تسليط الضوء على منجزات المغرب وتوطيد العلاقات مع الدول الأخرى دفاعا عن بلدنا ضد أعداء وحدته الترابية”.

ورغم تجربتها المتنوعة والناجحة كما تصفها، أبت السيدة أروهال إلا أن تستدرك انقطاعها عن الدراسة وتعود إلى التحصيل العلمي والأكاديمي، حيث اجتازت امتحان البكالوريا ضمن فئة الأحرار في 2016، ثم حصلت على الإجازة في شعبة الدراسات الأمازيغية، وبعدها على دبلوم الماستر في تخصص العلوم السياسية، وتحديدا في موضوع الدينامية السياسية المغربية في الغرب الإفريقي، كما تتطلع إلى نيل شهادة الدكتوراه في مجال العلوم السياسية خلال الفترة القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.