عبد الإله بائع السمك.. بين فضح الاحتكار وحرب التشويه

وأنا أتجول في منصات التواصل الاجتماعي، أجد نفسي كل مرة أمام منشورات وتعليقات تتناول قضية عبد الإله، بائع السمك المراكشي، الذي خلق ضجة واسعة بسبب بيعه السمك بأسعار أقل بكثير مما هو متعارف عليه في الأسواق الأسبوعية وأسواق الجملة، هذه الضجة لم تقتصر على المواطنين فحسب، بل امتدت إلى دوائر أوسع، حيث بات الرجل محط هجوم وسخرية، بل وحتى تشكيك في نواياه.

في الفضاء الرقمي، لا يخلو الأمر من حملات ممنهجة تستهدف أي شخص يخرج عن السياق المعتاد، فالتدوينات والمنشورات التي تنتقد عبد الإله وتسخر منه، إما أنها صادرة عن أشخاص ذوي حسابات مستعارة أو أشخاص يخدمون أجندات معينة، أو ببساطة من هواة الانتقاد من أجل الانتقاد، أولئك الذين لا هم بائعون ولا مشترون، ولكنهم يرفعون شعار “هاك فمي وقول”، هؤلاء لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة، بل ينجرفون وراء التيار العام، سواء كان ذلك لحساب جهات معينة، أو فقط لمجرد التنفيس عن غضبهم تجاه أي ظاهرة تخالف المألوف.

أما من يدعون أن عبد الإله لا يخسر شيئا من تخفيض أسعار السمك لأنه يعوض ذلك بمداخيل “تيك توك” والمشاهدات على مواقع التواصل، فهم يتجاهلون جوهر القضية، فالشاب لم يقم فقط ببيع السمك بسعر منخفض، بل سلط الضوء على أسعار الأسماك في المغرب، وعلى الفارق الكبير بين الثمن الذي يباع به السردين في أسواق الجملة وبين ما يصل إلى المواطن العادي، وهنا يكمن جوهر القضية: هل ما يقوله عبد الإله حقيقة أم مجرد استعراض؟

لا يمكن إنكار أن عددا من الوثائق والفيديوهات المنتشرة على الإنترنت تثبت أن أسعار السمك في أسواق الجملة أقل بكثير مما يدفعه المواطن المغربي عند الشراء، فما بين تكلفة الصيد، والوسطاء، والمضاربين، والمتلاعبين بالسوق، يتضاعف الثمن، حتى يصل إلى مستويات غير مبررة تجعل من منتج بحري محلي سلعة فاخرة لا يقدر عليها البسطاء.

فضح عبد الإله لهذه الممارسات جعله مستهدفا، فهناك تجار الأزمات والمحتكرون الذين لا يمكن أن يسمحوا لأحد بكشف ألاعيبهم، فالمسألة ليست مجرد بيع سمك بسعر منخفض، بل هي ضربة مباشرة لمصالحهم. لهذا السبب، سارعوا لتشويه صورته، والتشكيك في نواياه، وتصويره على أنه مجرد “يوتيوبر” يسعى لجني الأرباح من المشاهدات.

لكن الغريب في كل هذا ليس فقط حملة التشكيك التي يتعرض لها عبد الإله، بل صمت المؤسسات الرسمية أمام هذه القضية المثيرة، فإذا كان عبد الإله يبالغ أو يكذب، فلماذا لا تخرج الجهات المختصة لتنفي كلامه؟ وإن كان كلامه صحيحا، فلماذا لا يتم فتح تحقيق حول الأسعار الحقيقية للأسماك؟ هذا الصمت هو ما يجعل القضية أكثر تعقيدا، ويفتح الباب أمام الشكوك حول وجود تواطؤ بين بعض المسؤولين والمحتكرين لضمان استمرار الأسعار المرتفعة دون مساءلة.

التواصل مع المواطنين وكشف الحقائق هو مسؤولية المؤسسات الرسمية، خاصة في قضايا تمس لقمة عيش المواطن المغربي. فبدل ترك المجال للجدل والتكهنات، حان الوقت لكشف الحقيقة كاملة: هل عبد الإله مجرد “يوتيوبر” يبحث عن المشاهدات، أم أنه شاب مغربي غيور على وطنه فضح المستور في سوق السمك؟ وما يحدث مع عبد الإله ليس مجرد قصة فردية، بل هو مرآة لواقع أوسع، حيث يواجه كل من يحاول كسر احتكار السوق أو فضح الفساد حربًا شعواء من لوبيات المصالح، بينما تظل الجهات الرسمية تراقب بصمت، وكأن الأمر لا يعنيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.