لا جديد تحت شمس الحكومة، سوى خطاب ممجوج يعيد إنتاج نفس الأسطوانة المشروخة: الجفاف، كوفيد-19، الاضطرابات الدولية، مبررات تلوكها الألسنة الرسمية كلما ضاق عليها الخناق، كأن المغرب وحده من يعاني من هذه الأزمات، وكأن قدر المواطنين هو التعايش مع ارتفاع الأسعار وندرة المواد الأساسية دون مساءلة من تسبب في هذا الوضع الكارثي.
في أحدث خرجاته الإعلامية، حاول الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن يقنعنا بأن الخطوة الرمزية التي قام بها “مول الحوت” تتماشى مع توجهات الحكومة، بل وذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن الأخيرة تبذل مجهودات جبارة لضبط الأسعار، فهل تضحك الحكومة على الشعب أم على نفسها؟ كيف يمكن لمواطن بسيط أن يصبح رمزًا للنضال ضد الغلاء، في حين أن حكومة بأجهزتها ومواردها تعجز عن حماية القدرة الشرائية للمواطن؟ أليس هذا إقرارا واضحا بفشل السياسات الاقتصادية المعتمدة؟
عندما يفشل المسؤولون في تدبير الأزمات، يلجؤون إلى الهروب إلى الأمام، والجفاف أصبح حجة جاهزة لكل إخفاق حكومي، لكن فلنسأل ببراءة؛ ألم تكن هناك تحذيرات متكررة منذ سنوات حول ندرة المياه؟ أين ذهبت الميزانيات الضخمة التي خصصت لمخططات السقي وتعبئة الموارد المائية؟ لماذا لم تنجح الحكومة في وضع سياسات استباقية تحفظ الأمن المائي والغذائي للبلاد؟ الحقيقة أن الجفاف لم يكن سوى القشة التي كشفت عن هشاشة التدبير، وليس السبب الحقيقي للأزمة.
يدعي المسؤول الحكومي أن مخطط المغرب الأخضر كان ناجحا، لكنه في نفس الوقت يقر بأن القطاع الفلاحي يمر بأزمة حادة، كيف يمكن الجمع بين نقيضين؟ إذا كان المخطط قد حقق أهدافه، فلماذا يعاني المغاربة من غلاء الخضر واللحوم والأسماك؟ أم أن النجاح في نظر الحكومة يقاس بعدد الأرقام التي تُقدَّم في التقارير، وليس بما يلمسه المواطن في سوقه اليومي؟
الحقيقة التي تحاول الحكومة الالتفاف عليها هي أن الأزمة الاقتصادية ليست قدرا محتوما، بل نتيجة مباشرة لسنوات من سوء التدبير وغياب التخطيط الاستراتيجي، وبدل الاعتراف بالفشل والعمل على تصحيحه، تفضل الحكومة نهج سياسة الإنكار وتوجيه أصابع الاتهام إلى العوامل الخارجية، لكن مهما حاولت التملص من مسؤولياتها، فإن الواقع لن يرحمها، والشارع المغربي لن يقتنع بالكلام المعسول وهو يواجه الغلاء بجيوب فارغة.
كفانا حديثا عن الجفاف وكورونا والحروب الدولية، فقد آن الأوان لنسمع خطابًا مسؤولًا يعترف بالأخطاء، ويطرح حلولًا واقعية بدل التذرع بالظروف، لأن الحقيقة المرة التي لا تريد الحكومة الاعتراف بها هي أن المغاربة لم يعودوا يثقون في هذه المبررات، ولم يعد لهم ما يخسرونه سوى أوهام الوعود الكاذبة.