حكومة أخنوش..حين تتحدث الأغلبية بلسان المعارضة!

في مشهد سياسي عبثي لا يمكن أن تراه إلا في المغرب، تقف الأحزاب الثلاثة المكونة للتحالف الحكومي، التي تتحكم في زمام السلطة، لتشتكي من الأوضاع المزرية وكأنها لم تكن السبب الرئيسي في تدهور القدرة الشرائية للمواطن المغربي! كأنها لم تكن اليد التي ضغطت على أعناق البسطاء بارتفاع الأسعار، ولم تكن العجلة التي دهست آمال الشباب الباحث عن فرصة عيش كريمة.

نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، وقف متحدثا وكأنه زعيم معارضة منفي، يهاجم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، متناسيا أنه جزء من هذه الحكومة التي أغرقت المواطنين في دوامة الغلاء، وكأن ذاكرته اختارت أن تصاب بفقدان انتقائي، فلم يعد يتذكر أنه هو نفسه الذي جلس على طاولة القرار، ووافق على ما أوصل البلاد إلى هذا النفق المظلم. هل هي حملة انتخابية سابقة لأوانها أم مجرد محاولة لإقناع الشارع المغربي بأن الحكومة ليست مسؤولة عن هذا الخراب؟

أما حزب “التراكتور” وحزب “الحمامة”، فقد دخلا بدورهما في نفس اللعبة السخيفة، فتراهم يطلقون التصريحات النارية، وكأنهم يجهلون أنهم هم المهندسون الحقيقيون لهذه المرحلة السياسية العرجاء. يتحدثون عن الأمل، عن الإصلاح، عن المستقبل، وكأنهم لم يكونوا هم من أفرغوا جيوب المواطنين بحكومة عنوانها “الربح فوق كل اعتبار”.

بالأمس، كانوا يرفعون الشعارات الرنانة عن الإصلاح والتنمية، واليوم يتبرؤون من سياساتهم كأنهم لم يكونوا صناعها، محمد أوجار، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير العدل الأسبق، خرج في تصريحات تلفزيونية ليهاجم الغلاء وتدهور المعيشة، منتقدا حكومة يقودها حزبه نفسه! وكأن المواطن المغربي يعاني من أزمة خلقتها قوى مجهولة، لا حكومة تسيرها الأيادي التي صوّتت على قراراتها.

أوجار، الذي كان يوما جزء من منظومة الحكم، يوجه أصابع الاتهام للنخب الاقتصادية ولوزراء الحكومة، مطالبا بتحمل “المسؤولية الجماعية”، لكنه نسي أن هذه الجماعة التي يشير إليها، هو نفسه أحد أفرادها! فأي مشهد أكثر عبثية من أن تتحول الأغلبية إلى معارضة داخلية، وكأنهم في صراع مع أشباح وليس مع قرارات هم من صنعوها؟

وفي زاوية أخرى من المشهد، يطل علينا حزب العدالة والتنمية، الذي كان في تدبير شؤون البلاد لولايتين متتاليتين، ليتحدث أمينه العام عن طموحه في العودة إلى قيادة الحكومة وكأن المغاربة لم يذوقوا بعد ما يكفي من مرارة التجربة السابقة، أي مهزلة هذه التي تجعل الجميع يخلع ثوب المسؤولية ويرتدي ثوب المنقذ؟

الشعب المغربي يعيش وسط أمواج سياسية متلاطمة، حيث تتغير مواقف الساسة بسرعة تفوق تغيرات الطقس، حكومة تشتكي من نفسها، وأحزاب ترفض الاعتراف بفشلها، ومعارضة غارقة في سباتها، فيما المواطن يدفع الثمن وحده، فمتى يستفيق المغاربة من هذا الوهم؟ ومتى يدركون أن الوجوه تتغير، لكن السياسات تبقى نفسها، وأن المعضلة ليست في من يحكم، بل في من يتحكم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.