يعبر الزمن الجميل عن حالة نفسية يعود بها الوعي والشعور إلى لحظة تكرست في الذاكرة. فلكل فرد منا زمنه الجميل، زمن عاش فيه أحلى أيام طفولته وذكرياته، تلك الذكريات التي تعتبر جزءا من تركيبة المرء والحنين اليها شيء طبيعي لاستحضار الجيل.
وأنت تبحث لك في ألبوم صورك عن ذكريات قد تأخذك الى عالم قد انطفئ بمجرد دخولك عالم الكبار. إنها الطفولة التي تستمد قوتها من لحظات لن يكررها الزمان، لحظات مرتبطة بالدراسة والعائلة والحارة. لحظات لا تشترى بمال عشناها وعايشناها مع أناس ترجلوا عن صهوة الحياة، فالذكريات ليست مرتبطة بالأحداث والمواقف فقط بقدر ما هي مرتبطة بالأشخاص والمواقع.
ونحن جيل التسعينات وأواخر الثمانينات عشنا وعايشنا محطة تاريخية في حياتنا مع التلفزيون، إذ كان الإعلام المغربي أنداك في أوج عطاءه وازدهاره، حيث يحاول أن يمنح لكل فرد منا جرعته اليومية من البرامج التثقيفية والهادفة والمسلية دون إغفال برامج الأطفال المتنوعة.
جزء كبير من هذه الذكريات لها ارتباط وثيق بالتلفزيون، إذ نتذكر ونحن صغار كيف كنا ننتظر انتهاء الدوام المدرسي بكل شوق، نتشابك مع بعضنا البعض في الطابور ونتسابق جريا لمشاهدة حلقات من مسلسلاتنا الكرتونية المفضلة ذات الرسائل الهادفة والنبيلة. ونحن في طريقنا للبيت، نألف سيناريوهات حول تطور مشاهد فلة والأقزام السبعة، وجديد علاقة الصحفي الفاشل تامر بخطيبته. وتطور أحداث كبسولة الزمن التي تبحر بنا في عالم الخيال. وغيرها من المشاهد الكثيرة.
في الزمن الجميل فقط، كانت القناة الأولى لا تجود علينا في السنة إلا بمسلسل مدبلج واحد، يمتد لموسم كامل. ويتم إعادة نفس المسلسل في المواسم الموالية. فكانت “رهينة الماضي” إحدى تلك المسلسلات التي حلت ضيفا على بيوتنا، فيتجمع أفراد العائلة في غرفة واحدة، ينتظرون اللحظة الموعودة حتى يفرض حظر التجوال والأحاديث الثنائية، وفي الوصلات الإشهارية يمنحون بعضهم البعض هامشا لطرح الأسئلة، تسأل خلاله الجدة عن سبب مناداتهم البطلة في المسلسل بالعرجاء.
أما يوم الخميس فكان الموعد مع جديد السينما المغربية والعالمية الهادفة، مع برنامج “سينما الخميس” بحضور تشكيلة من الأفلام الهندية والبوليسية والمغربية. كما كنا نسمر ليلة الثلاثاء لمشاهدة جديد الجرائم في برنامج “وقائع” مع الصحفية فضيلة أنور.
بحلول فصل الصيف يتمدد زمن الطفولة إذ نترقب حلول هذا الأخير بلهفة، لنتحرر من سجن المدرسة وجدران القسم، وكلنا شوق لمشاهدة حلقات من البرامج الترفيهية والمسابقات الصيفية التي تمتد لساعات طوال. خلالها كانت حلقات برنامج “تحت الشمس” تفاجئنا بجديد مسابقاتها ومنوعاتها.
في الصيف كنا ننتظر بث ما عجزت الفصول الثلاث عن بثه، بعد سنة دراسية شاقة. وفي زمننا هذا، لم تعد أجيال اليوم تحس بقدوم الصيف ولا تبالي حتى برحيله. فالصيف عندهم مرتبط بتوقف الدراسة وارتفاع درجات الحرارة والاصطياف.
شخصيا لا أؤمن بأن الإعلام المغربي اليوم في طور عطائه وازدهاره، أو أننا نعيش عصرا إعلاميا ذهبيا في ظل هذا الكم الهائل من القنوات، وبأن إعلامنا اليوم قد ساهم بشكل أو بأخر في تنمية المجتمع وتقدمه، ربما هناك من سيقول العكس من أجيال اليوم. لكني أجزم بأن هذا الأخير في الماضي أفضل بكثير مما هو عليه الآن، وذلك بحضوره القوي في مختلف المجلات.