بعد مرور سنوات على محاولات الحكومة المتكررة لتحسين الوضع الاقتصادي للمواطن المغربي، سواء من خلال دعم المواد الأساسية، تخفيض الضرائب، أو اتخاذ إجراءات تحفيزية في مختلف القطاعات، يبدو أن هذه الجهود لم تسهم بشكل كبير في التخفيف من وطأة الغلاء الذي يعاني منه المواطنون، بل في بعض الأحيان كانت النتائج عكسية، حيث ظلت أسعار المواد الغذائية الأساسية، بما فيها اللحوم والخضروات، في ارتفاع مستمر، ما فاقم معاناة الفئات ذات الدخل المحدود وفتح الباب أمام استمرار الأزمات.
ومن بين أبرز الملفات التي شهدت ضعفا في التعامل الحكومي، ملف دعم قطاع تربية المواشي، الذي بات يعاني من تحديات جمة، خاصة مع ما يرافقه من أزمة ارتفاع أسعار الأعلاف بسبب الجفاف وزيادة الطلب على الموارد الزراعية، بل إن التدابير الحكومية المتعلقة بالاستيراد والتمويل لم تسهم في حل جذري للمشاكل الهيكلية لهذا القطاع، بل ساهمت في تفاقمها أحيانا، وأمام استمرار هذه الوضعية، تأتي رسالة الملك الأخيرة التي دعت إلى إلغاء شعيرة ذبح الأضاحي هذا العام، وهو قرار جريء يعكس الحس الملكي العالي بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين.
وعلى الرغم من أن هذا القرار قد لقي ترحيبا واسعا في الأوساط الشعبية، لاسيما لدى الفئات الفقيرة، فإن هذا لا يعني أن المشكلة قد حلت، فهناك تحديات أخرى لا تزال قائمة قد تؤثر على استدامة هذا القرار، أبرزها الأثر المباشر على أسواق المواشي وقطاع تربية الحيوانات، فمن المتوقع أن تشهد أسواق المواشي ركودا في الطلب مع كثرة العرض، ما قد يؤدي إلى انخفاض حاد في الأسعار، وهو ما قد يلجئ المربين إلى التخلص من قطيعهم بأسعار منخفضة، ما يضر مستقبل هذا القطاع ويهدد استدامته.
إضافة إلى ذلك، يواجه المربون الصغار مخاطر كبيرة، خاصة في ظل الارتفاع المتوقع لأسعار الأعلاف، وهو ما قد يضطرهم للتخلص من قطعانهم بسبب غلاء التكلفة وضعف قدرتهم على تحمل الأعباء المالية، وفي ظل غياب دعم حقيقي من قبل الحكومة لمساعدتهم على توفير الأعلاف البديلة مثل الزرع المستنبت أو الأزولا، فإن القطاع يواجه خطرًا حقيقيًا على مستوى استمراريته.
أما بالنسبة للشيكات التي تقدمها شركات الأعلاف، فإن هذا الأمر يشكل تهديدا قانونيا كبيرا للمربين، حيث يجد العديد منهم أنفسهم في دائرة الديون التي تقودهم إلى السجون نتيجة للشيكات التي لم يستطيعوا الوفاء بها، هذا الأمر يشير إلى غياب القوانين الرادعة في هذا المجال، إضافة إلى ضعف الرقابة على الشركات التي تستغل هذا الوضع لصالحها، مما يزيد من معاناة المربين ويضعهم في مواقف صعبة.
ومع كل هذه التحديات، تبقى هناك خطوة حاسمة لابد من اتخاذها، وهي الحفاظ على استدامة القطيع الوطني، من خلال حماية المخزون الوطني من “الخروفة” وتوجيه الجهود لتأمين استمرارية التكاثر المحلي للسلالات المغربية، في حال تم السماح بذبح الأمهات، فإننا بذلك نساهم في تدمير مستقبل القطاع، ولن يكون لهذا القرار أي فائدة حقيقية في المدى الطويل.
وعليه، فإن الحكومة مطالبة الآن باتخاذ إجراءات سريعة وفعالة لحماية الفلاحين والمربين، من خلال دعم الأعلاف البديلة، تحسين الوضع القانوني لتنظيم أسواق المواشي، وضبط الأسواق بشكل يمنع الاحتكار والمضاربات، كما يجب وضع خطط لمساعدة المربين في تجاوز أعبائهم المالية، ومنع الفوضى في أسواق اللحوم، وذلك عبر تطبيق قوانين صارمة للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان توفير اللحوم للمواطنين بأسعار معقولة.
وإذا لم تُتخذ هذه الإجراءات العاجلة، فإننا سنكون أمام أزمة حقيقية في المستقبل القريب، حيث ستزداد معاناة المواطنين الفقراء، وسيستمر القطاع في التدهور، وكلما تأخرنا في التصرف، زادت المخاطر التي قد تتسبب في فقدان المزيد من القطيع، وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، مما يؤثر بشكل كارثي على الاقتصاد الوطني بأسره.